من روائع ابن قيم الجوزية
لما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا ،
وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر ،
كانا في الهوى شريكي عنان.
ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه.
فقال القلب للعين
أنت التي سقتني إلى موارد المهلكات ،
وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات
ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء من الحدق والأمراض.
وخالفت قول أحكم الحاكمين:
( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس ،
فمن تركه خوف الله عز وجل أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه)
رواه الإمام أحمد.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم
( نظر الرجل في محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم
فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره)
فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم ؟
أو ما علمت أن ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان؟
فما عطب أكثر من عطب إلا بهما ،
وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما.
فلله كم من مورد هلكة أورداه ، ومصدر رديء عنه أصدراه
فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه ليسلم من الضرر
فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر
وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان
وهما أصل زنى الفرج ، فإنهما له رائدان ، وإليه داعيان
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة
فأمر السائل أن يصرف بصره، فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره .
أوما سمعت قول العقلاء : من سرح ناظره،
أتعب خاطره، ومن كثرت لحظاته، دامت حسراته،
وضاعت عليه أوقاته، وفاضت عبراته
وقال الناظم
تمتعتما يا مقلتي بنظرة
وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه
من الظلم سعي اثنين في قتل واحد ..
قالت العين
ظلمتني أولا وآخرا،
وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا،
وما أنا إلا رسولك الداعي إليك ورائدك الدال عليك،
فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع
أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |